"الحمد لله الذي جعل في كل زمان فترة من الرسل، بقايا من أهل العلم يدعون من ضل إلى الهدى، ويصبرون منهم على الأذى، يحيون بكتاب الله الموتى، ويبصرون بنور الله أهل العمى، فكم من قتيل لإبليس قد أحيوه، وكم من ضالٍ تائه قد هدوه، فما أحسن أثرهم على الناس، وأقبح أثر الناس عليهم ، ينفون عن كتاب الله تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين، الذين عقدوا ألوية البدع، وأطلقوا عقال الفتنة فهم "،" يتكلمون بالمتشابه من الكلام، ويخدعون جهال الناس بما يشبهون عليهم، فنعوذ بالله من فتن الضالين" .[1] و الصلاة والسلام على خير خلق الله نبيّنامحمّد وعلى آله وصحبه ومن والاه ، أما بعد :

"فإن الجاهل بالشيء جاهل به ولو كان من أعلم الناس بغيره، وما علمه بما علم برافع جهله فيما جهل، وإن هذه لحقيقة من الوضوح بمكان. ولكن يحتاج إلى تكرار ذكرها بقدر ما يتكرر من وقوع مخالفتها"..و"قد لا أكون أنا كاتب هذه السطور سالما من هذا العيب، ولكن ذلك لا يمنعني من ذكره لاحذره واحذر منه. خصوصا إذا رأيت شره قد مس العزيزين عليَّ: ديني ،ووطني"[2]..

وإنّ الناظر اليوم في جملة هذه التشغيبات ممن ألِف التّجارة بالفتن في أسواق الإعلام ،ووسائله التي أضحت اليوم منبرا يتقاتل عليه المناوئون للسّنّة وأهلها -وإن كانوا في حقيقة الأمر مجتمعون على نصب العداء لهما- يرى حقيقة جنود إبليس ،ولكنّهم هذه المرّة في زِيِّ الصحافة -وما أكثرهم اليوم- ،وذلك لعدة أسباب قد يظن أصحابها أنها تخفى على مشايخنا ،ولكنها في الحقيقة -ولله الحمد والمنّة- مكشوفة جليّة لهم -حفظهم الله- ،ذلك أن هذه الأحقاد والضغائن والتحريضات ليست وليدة اليوم -كما لا يخفى على الجميع- ،فقد سبقها ما هو ما مُدوّنٌ ومسطّر في كتب السِّيَر والتاريخ ،و بالأخص ما ذكِر في سيرة خير البشر على الإطلاق نبيّنا محمد -<ﷺ>- ،ألا فليقرأ أولائك كيف كانت دعوته وما لاقى حينها من المشركين ،فجهّال الصّحف اليوم -وإن كانوا ينكرون ذلك- محاربون للحق والصدّ عن سبيله والسّعي لإطفاء نوره ؛ (يُرِيدُونَ أَن يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ)[التوبة:32] ولكن هيهات هيهات ..

وفي وقت تكالب فيه بعض السفهاء ممن ألِف الكذب و البهتان ، وأدمن محاربة السّنة وأهلها ،ظهرة فجأة ذنب من أذناب بني علمان -ولعله لم يجد باب شُهرة- إلا بكتابة شيء من الهذيان ،فكتب مقالة غريبة !وأسطرا -مملوءة بالكذب- عجيبة ! أظهر فيها مدى جهله وغبائه ،فكان كلّ من قرأها علم أنه تهافت من متهافت ، أو بعض الخواطر التي تتحدث بها نفس كل جُوَيهلٍ بغيض حاقد على الإسلام والمسلمين ،فكان مع قلّته فيه من الكذب الباطل والافتراء ما يلحق صاحبه بالكذابين المردودي الشهادة، أو الجهال البالغين في نقص الفهم والبلادة ، وما ذاك -يا أُخَيّ القارئ- إلا لكِبرٍ هم غارقون في بحوره ،مع قلّة فقهٍ وحب شهرة ..فجَمعُهُم لهذه الخصال كلها أعمى قلوبهم ،وأطفأ نور بصيرتهم ! وما زاد الطّين بلّة معرفتهم بأن الدعوة السّلفية دعوة لكتاب الله وسنّة رسول الله ! ولكنّهم كما قال تعالى : (وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْها أَنفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا ۚ)[جزء من الآية 14:النمل] ، ولكنهم مع ذلك استرسلوا في تلفيق التهّم على هذه الدّعوة المباركة الطيّبة ورميِ دعاتها بالباطل ؛لِما رؤوا من التفاف الشباب حولهم ، وسرعة انتشارها في البلاد ، ووقوفهم في وجه مخطّطهم السّاعيين به إلى طمس معالم الاسلام ! كيف لا وهي كشّافة لِعَوار المخالفين لكتاب الله وسنة رسوله -<ﷺ>- ..! فمع تطاول هذا الدّعيّ وأمثاله على العلماء، قرّروا -للأسف الشّديد- يا شيخنا أزهر -حفظك الله- من البداية ألا يكتبوا بعلم، وألا يبيّنوا بحجّة ،وهذا دأب المبطلين من قديم الزمان..وحقيقة الأمر أنهم لا يستطيعون وذلك لأمور منها :
أولا : الحجة والبيان ينافيان مذهبهم المبني على الإفك والبهتان .
ثانيا : أنه ليس لهم علم اطلاقا ،بل هم في جهلٍ مطبِق مركّب ؛فيتصوّرون الأمور بخلاف ما هي عليه .
ثالثا : إذا كتبوا بعلم وحجة فضحوا أنفسهم ،لأن الحق واحد وهو في هذه الدعوة المباركة ،فإما أن يوافقوه فيوافقونها ،أو يحاربوه فيعادونها ،ولكن لما خذلهم الله عز و جل وطبع على قلوبهم ركَنوا إلى الثاني فاجتمعوا على إعلاء كلمة الباطل والسّعي لإخفاء الحق والتلبيس على الناس بأن السلفيّة خطر على المسلمين ودعاتها يدعون إلى التكفير والخروج والتفجير، إلى غير ذلك من التّهم ..،والله ما ان قرأت بعض ما خطّت يمين الخسيس حتى تساءلت في نفسي ! عما إذا قرأ كاتب المقال وأمثاله قوله -<ﷺ>- : ( إذا أصبح ابن آدم فإن الأعضاء كلها تُكَفِّر اللسان تقول: اتق الله فينا، فإنما نحن بك، فإن استقمتَ استقمنا، وإن اعوَجَجْتَ اعوَجَجْنَا ) [3]فهل يا ترى سيرمون أعضاء أجسادهم بالتكفير -وليس ذلك ببعيد- أم أنه سيضطربون تارةً ثم يسلّمون !؟ فانظر أخيّ القارئ أين وصل الحال بالقوم ! نسأل الله السلامة والعافية .

وإن هذه المقالات من أمثال هذا الجُوَيهل -الذي يهرف بما لا يعرف- لمن أبرز الأدلة على سلامة هذه الدّعوة ،وما طرح الله لدعاتها من القبول بين أوساط المسلمين لهو من أوضح العلامات على صدقهم وحسن نيّتهم في خدمة هذا الدّين ، فكيف بربّك أيها الأفّاك يدعوا للتكفير من يحذّرّك من الخروج على وليّ أمرك وينصحك بالصّبر والدّعاء واحتساب الأجر ليل نهار !!؟ والذي عُرِف عن الكذابين أنهم يكذبون في أمور تخفى على الناس ، أفيصل بك الغباء -إضافة إلى ما انت عليه من قبح الكلام وشناعة اللّفظ- إلى الكذب في أمر يفضحك فيه الصبيّ فضلا عن الكبير ،و المغتربون فضلا عن ابناء البلد !!؟؟ فهل الجحد والعمى إلا هذا !!... قل لنا -بالله عليك- كيف لابن حجر -رحمه الله- أن يدعو للتكفير في متن فقهيٍّ !! كيف والكتيّب كلّه أحاديث نبوية فيما يختصّ بالأحكام !.. فهذا مثال واحد فقط -كما أشار إلى ذلك الشيخ الفاضل أزهر سنيقرة حفظه الله وجعله الله شوكة في حلق السوكو هذا وأمثاله- يُظهِر للقارئ ما في مقاله من الجهل المصبوغ بالغباء ،فالتنبيه عليه تنبيه على البعض الذي قد يغني عن الكلّ ؛لما حوى المقال من مثيلاته !،وصدق من قال :"من جهل شيئا عاداه" .. ألا ترى -هداك الله- أن الواجب عليك أن تَحذَر -أنت وأمثالك- بدلا من التحذير من غيرك ! ثم أليس الأحرى بك أن تفصِح مرة واحدة عما تريده من سلفنا عموما ومشايخنا خصوصا ،فتُريحنا من جهلك ،وتريح نفسك من فضائح قادمة ! فالله الله في نفسك فارحمها ..

والعجب كل العجب أنّه لا يوجد في الفرق -قديما وحديثا- من حذّر من التكفير ،والتسرّع في إطلاق الأحكام ،والتفصيل في مسألة الأسماء والأحكام وما يترّتب عليها ،والطريقة الصحيحة في فهمها مثل السلفيين ،ثم يُرَى هذا الجُوَيهِل وأمثاله ممن لا يقدّرون الشّريعة حقّ قدرها يرمونهم بالتكفير !! والأعجب من ذلك أن الواحد فيهم يقلّد صاحبه لا غير ،فعندما اتِّهمت جُلُّ كتب التوحيد والعقيدة السّلفية-في مقالات سابقة لبعض المهرّجين- بالتكفير والتحريض على عقيدة الخوارج -زعموا-،لم يجد السّوكو الدّعي وكراً لافتراءاته ،فما كان منه إلا أن غيّر الوُجهة إلى كتب الفقه ،وهو لا يدري أنها بعيدة كل البعد عن مسألة التكفير ... فوالله ربي أننا لم نعهد أهل الضلال بهذا الغباء ! ولكن (لكل داء له دواء يستطب به ** إلا الجهالة أعيت من يداويها) وكما قال القائل -فلتعتبر يا سوكو بما قال- :
لا يكذب المرء إلا من مهانته ** أو فعلة السوء أو من قلة الأدب
لبعضُ جيفة كلب خيرُ رائحة ** من كذبة المرء في جدّ وفي لعب.

ألا فللتتّقوا الله ولتكفّوا ألسنتكم وأقلامكم عن الطعن في هذه الدعوة المباركة ودعاتها ،فإنها والله محاربة للإسلام من حيث لا تشعرون...،وأذكّر كاتب تلك الأسطر وما ذكر فيها من البُهتان بما ورد عن النبي عليه الصلاة و السلام من حديث ابن عمر -<رضي الله عنهما>- أنه قال : ( ..من خاصم في باطل و هو يعلم لم يزل في سخط الله حتى ينزع ، و من قال في مؤمن ما ليس فيه حبس في ردغة الخبال حتى يأتي بالمخرج مما قال ) [4]، وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه ، أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : ( إِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ ، يَنْزِلُ بِهَا فِي النَّارِ ، أَبْعَدَ مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ )[5] . قولٌ هو وأي قولٌ !! ألا فلتحذر -هداك الله- ! فإن الشرك وسائر البدع مبناها على الكذب والافتراء، ولهذا: كل من كان عن التوحيد والسنة أبعد، كان إلى الشرك والابتداع والافتراء أقرب -كما قال شيخ الإسلام -<رحمه الله>- ،ولهذا فإنه يكثر في القرآن اقتران الكذب بالشرك كاقتران الصدق بالإخلاص،كقوله سبحانه : ( واجتنبوا قول الزور * حنفاء لله غير مشركين به ومن يشرك بالله فكأنما خر من السماء )[سورة الحج: (30 - 31)][6] ،

والمقصود مما سبق "أن من تكلم بلا علم يسوغ وقال غير الحق يسمى كاذبًا، فكيف بمن نقل عن كلام موجود خلاف ما هو فيه مما يعرف كل من تدبر الكلام أن هذا نقل باطل؟ فإن مثل هذا كذب ظاهر، والأولى على صاحبه إثم الكذب والبهتان" وقد سبق بيان شيء منه في الحديث.[7]

و أخيراً.. فلتعلم وأَعلِم من كلّفك بذالك الهراء -من العلمانيين والقبوريين- أن دعوة الحق مهما حُورِبت فهي منصورة ،مصداقا لقول نبيّنا -<ﷺ>- ، ففي " صحيح مسلم " من حديث ثوبان رضي الله عنه قال : قال رسول الله ﷺ : ( لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق ، لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم كذلك ) ،فإنك -بكذبك- لا تعدو أن تكون من جملة سابقيك من الجهال السّفهاء..

ووالله يا أخيّ القارئ إن هذا وأمثاله ليعرفون أن الحقّ في هذه الدعوة السلفية الصافية النقية-،وأن أهل الحقّ هم دعاتها -حاملوا لواء السنّة- المتمسكون بهدي النبي الكريم عليه الصلاة و السلام وأصحابه الكرام -رضوان الله عليهم- ،ومع ذلك يُرى منهم ما يُرى !،فالحال كما قال الشيخ صالح الفوزان -<حفظه الله>- : (..ما كل من عرف الحق يعمل به،فقد يصرفه صارف : إما الحسد،وإما الكبر،وإما الطمع في الدنيا،أوالطمع في الرياسة ،هناك صوارف تصرف الإنسان عن الحق وهو يعرفه )[8] ،فاللهم بصّرنا وبصّرهم بالحقّ،واهدهنا واهدهم إليه ،واكفنا شرّهم وشرّ أمثالهم ..آمين آمين آمين

والحمد لله ربّ العالمين ،و صلى الله وسلم على نبيّنا محمّد وعلى آله وصحبه أجمعين .

__________________________________________________ ______________________
1 ([مقدمة الرد على الجهمية للإمام أحمد])
2 ([الامام ابن بادس رحمه الله في "الآثار"(3/11)] )
3 ([حسّن اسناده العلامة الالباني كما في صحيح الترمذي-])
4 ([أخرجه أبو داود في "سننه"( 2 / 117 ) و الحاكم في "المستدرك" ( 2 / 27 ) وصححه العلامة الألباني في الصحيحة(1/722)])
5 ([ متفق عليه واللفظ لمسلم)]
6 ([شيخ الاسلام في الاخنائية])
7 ( [شيخ الاسلام في الاخنائية])
(8 [شرح مسائل الجاهلية(ص70)])