خطبة عيد الأضحى

الخطبة الأولى:

الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر.

الحمد لله الذي سهَّل لعباده طرق العبادة ويسر، وأفاض عليهم من خزائن جوده التي لا تُحصر، وجعل لهم عيداً يعود في كل عام ويتكرر، وتابع لهم مواسم الخيرات، لتزدان أوقاتهم بالطاعات وتُعمر، أحمده سبحانه على نعمه التي لا تُحصر، وأشكره وهو المستحق لأنْ يُحْمدَ ويُشكر.

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، خلق فقدَّر، ودبَّر فيسر.

وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أنصح من دعا إلى الله وبشر وأنذر، وأفضل من تعبد لله وصلى وزكى وصام وحج واعتمر وذكر الله تعالى وذكَّر، فصلى الله عليه وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان ما لاح هلال وأنور، وطلع الصحب وأسفر، وسلم تسليماً كثيراً.

أما بعد، أيها المسلمون:

اتقوا اللهَ تعالى ربكم حق التقوى، واجعلوا تقواه نصب أعينكم في السر والعلن, وحال إقامتكم وفي أسفاركم, فإن تقوى الله أكرم ما أسررتم, وأجمل ما أظهرتم, وأفضل ما ادَّخرتم, وقد قال ربكم – عز وجل – آمراً لَكُم: { وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى }.

واعلموا أن تقواه سبحانه إنما تكون بالمسارعة إلى مغفرته ورضوانه, بفعل الحسنات المُنجيات, وترك الخطيئات المُهلكات, قبل انصرام العُمُر, وفوات أوقاته وساعاته, فإن هذه الليالي والأيام تُحسب من آجالكم، وهي خزائن لأعمالكم: { يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا }.

فأودعوا فيها مِن الأعمالِ الصالحةِ ما يسرُّكم بعد الموت وعند الحساب والجزاء، يوم يُقال للمحسن والمحسنين: { يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً فَادْخُلِي فِي عِبَادِي وَادْخُلِي جَنَّتِي } { كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ }.

واحذروا أن تودعوا فيها مِن الأعمالِ ما يسوؤكم ويحزنكم ويخزكم, يوم يقول المفرِّط والمضيِّع متحسراً متألماً: { رَبِّ ارْجِعُونِ لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ } { رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ }.

ولكن هيهات هيهات قد فات أوان الأعمال، وانقضى زمن الطاعات، وولَّى وقت المراجعة، وحلَّ وقت الحساب والجزاء، فإمَّا إلى جنة وسعادة، وإما إلى نار وشقاء.

أيها المسلمون:

احذروا الوقوع في الشرك بالله – عز وجل -، فإن الشرك أعظم ذنب عصي الله به، ولا يغفره الله لمن مات عليه ولم يتب منه، وحابطة بسببه جميع طاعات صاحبه، فلا تنفعه عند الله يوم القيامة، ومُحرَّم عليه دخول الجنة، وهو مخلد في نار جهنم.

ألا وإن من الكفر والشرك بالله:

صرف بعض العبادات لغير الله تعالى، لا سيما عبادة الدعاء، ولا ريب عند الجميع أن صرف أي عبادة لغير الله كفر وشرك مخرج عن ملة الإسلام.

وإننا نرى ونسمع بعض الناس – أصلحهم الله وردهم الله إلى دينه رداً جميلاً -، يتوجهون بعبادة الدعاء ويصرفونها لرسول الله صلى الله عليه وسلم فيقول أحدهم داعياً: “فرج عنا يا رسول الله”، “يا رسول الله اجعلنا في شفاعتك”، وآخر يصرفها للبدوي فتسمعه يدعوه ويقول: “مدد يا بدوي”، يعني: أمدنا بالعون والنصرة وما نحتاج إليه، وثالث يدعو الجيلاني فيقول: “أغثنا يا جيلاني”، ورابع يدعو الميرغني فيقول:”ادفع عنا يا ميرغني”، وخامس يدعو الحسين فيقول:”اكشف ما بنا يا حسين”، “أجرنا من النار يا حسين”، وسادس يدعو الرفاعي فيقول:”شيئاً لله يا رفاعي”، وهذا يدعو فلان، وتلك تدعو فلانة.

يفعلون هذا الكفر والشرك الشنيع الغليظ مع أن الله تعالى قد زجرهم ونهاهم عن ذلك بأوضح عبارة وأبينها في القرآن، وهم يقرؤونها باستمرار، حيث قال سبحانه: { فَلَا تَدْعُوا مَعَ الله أَحَدًا وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ الله يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا قُلْ إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِهِ أَحَدًا }.

فنهانا سبحانه أن ندعوَ معه أيّ أحد حتى ولو عظم وجلَّ بين الخلق، حتى ولو كان ملكاً مقرباً، أو نبياً مرسلاً، أو ولياً صالحاً، ثم حكم بأن دعاءه معه شرك وكفر.

وصح عن رسول الله ﷺ أن مآل من فعل ذلك ومقره هو النار، فقال: (( مَنْ مَاتَ وَهْوَ يَدْعُو مِنْ دُونِ الله نِدًّا دَخَلَ النَّارَ )).

أيها المسلمون:

احذروا الوقوع في الحلف بغير الله تعالى، كالحلف بالنبي صلى الله عليه وسلم أو الكعبة أو الأولياء والصالحين أو الآباء والأمهات أو الشرف أو الأمانة أو الذمة أو غير ذلك، فإن الحلف بغير الله تعالى من الذنوب العظيمة، والسيئات الخطيرة، والآثام البشعة الشنيعة، والأوزار الثقيلة، وقد تعددت الأحاديث النبوية في النهي عنه، وتنوعت في بيان تحريمه وقبحه، بل قد نص رسول الله ﷺ على أنه شرك، فصح أن ابن عمر ـ رضي الله عنهما ـ: (( سَمِعَ رَجُلاً يَحْلِفُ: لاَ، وَالْكَعْبَةِ، فَقَالَ لَهُ: إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ الله ﷺ يَقُولُ: مَنْ حَلَفَ بِغَيْرِ الله فَقَدْ أَشْرَكَ )).

أيها المسلمون:

احذروا إحداث البدع في الدين أو فعلها أو دعوة الناس إلى فعلها أونشرها في مجتمعاتهم، فإن البدعة من المحرمات الشديدة، والمنكرات الشنيعة، والسيئات الخطيرة، يدل على ذلك كثرت الأحاديث التي جاءت عن النبي ﷺ في شأنها، فقد كان النبي ﷺ يحذر منها في مجامع الناس حين يخطبهم، ويصفها بأنها شر وضلالة، فصح عن جابر – رضي الله عنه – أن رسول الله ﷺ إذا خطب كان يقول: (( أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ خَيْرَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللهِ، وَخَيْرُ الْهُدَى هُدَى مُحَمَّدٍ، وَشَرُّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلُّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ )).

ونهى وزجر ﷺ وحذر أمته في وصيته الوداعية المشهورة من البدع، حيث صح عنه أنه قال لهم: (( وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الْأُمُورِ، فَإِنَّ كُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ )).

وبين ﷺ لأمته أن البدع المحدثة تُرد على صاحبها ولا تقبل منه عند الله، حيث صح عنه أنه قال: (( مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ فِيهِ، فَهُوَ رَدٌّ )).

والبدعة هي: كل ما أحدث في الدين بعد النبي ﷺ واكتمال الشرع بوفاته من الاعتقادات أو الأقوال أو الأفعال التي يُتقرب إلى الله بها ويُبتغى الأجر والثواب من فعلها.

ومن أمثلتها:

التمسح والاستلام بالأيدي لقبور الصالحين أو قببها أو رخامها أو سياجاتها أو أعمدتها أو ستورها أو مقام إبراهيم أو جدارن وستور الكعبة أو أبدان وثياب من يُظن فيه الصلاح طلباً للبركة.

ومن أمثلتها:

قراءة سورة الفاتحة بعد صلاة الفريضة أو بعد دفن الميت على روحه أو عند خِطبة المرأة أو عقد النكاح عليها، أو عند أي أمر مهم.

ومن أمثلتها:

المآتم التي تقام حين يموت الميت، فتراهم يجتمعون له في بيت أو خيام أو ساحات ويأتون بمقرأ أو مقرئين ليقرءوا القرآن على روحه أو يُحضرون مصاحف فيقرأ الناس منها على روح الميت، ويصنعون فيها الأطعمة ويقيمون الولائم والموائد للحاضرين، وكلما جاءت طائفة لهذا المأتم جددوا الفاتحة لروح الميت.

ومن أمثلتها:

الذكر الجماعي بصوت واحد مرتفع يوافق فيه بعضهم بعضاً في المساجد والزوايا والخلوات وفي المآتم والموالد والاحتفالات والطواف والسعي وصعيد عرفة ومشعر مزدلفة وبعد السلام من صلاة الفريضة وفي الأعياد وعند زيارة القبور.

ومن أمثلتها:

الاحتفالات والموالد التي يقيمونها كالاحتفال بذكرى ليلة الإسراء والمعراج أو المولد النبوي أو الهجرة النبوية أو موالد الأولياء، ناهيك عن الموالد الأسبوعية والشهرية في المساجد والحضرات والزوايا والخلوات.

وجميع هذه البدع المحدثة في الدين لو فتشت عنها في القرآن فلن تجدها، ولو فتشت عنها في السنة النبوية فلن تجدها، ولم يقمها ولا فعلها رسول الله ﷺ ولا أصحابه ولا أهل القرون الثلاثة الأولى التي هي خير القرون بنص حديث رسول الله ﷺ، ولو فتشت عنها في كتب الأئمة الأربعة أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد وتلامذتهم فلن تجد لها ذكراً، ولن تجدهم فعلوها، ولا دعوا الناس إليها.

أيها المسلمون:

احذروا من مشاهدة المحرمات والفواحش والقبائح والرذائل عبر الفضائيات واليوتيوب ومواقع الإنترنت والمسارح والسينمات والطرقات، وتجنبوا الغش والخداع والتدليس والتغرير في البيع والشراء، ولا تتشبهوا بأهل الكفر في عاداتهم وألبستهم وقصات شعورهم، وابتعدوا عن الكذب والغيبة والنميمة والسخرية والاستهزاء والظلم والعدوان والبغي والفجور، واتركوا أذية الناس في أبدانهم وأموالهم وأعراضهم وبيوتهم وطرقاتهم ومراكبهم.

واعلموا أن الذنوب من شركيات وبدع ومعاصي شر وضرر محقق عليكم في الدنيا، وفي قبوركم، وفي الدار الآخرة، وإنها لتؤثر في أمن البلاد، وتؤثر في رخائها واقتصادها، وتؤثر في قلوب أهلها، وتؤثر في وحدتهم وائتلافهم، وإن ما يُصيب الناس من المصائب العامة أو الخاصة، الفردية أو الجماعية، فإنه بما كسبت أيديهم، هم سببه، وهم أهله، هم سببه حيث فعلوا ما يوجبه، من الشركيات والبدع والمعاصي، وهم أهله حيث كانوا مستحقين له، وقد قال سبحانه: { ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ }.

أيها المسلمون:

إن العيد لمن أجمل المظاهر التي امتن الله بها على عباده، فاحرصوا فيه على صفاء النفوس وتصفيتها من الضغائن والشحناء، وكونوا فيه من أهل العفو والصفح والتجاوز، وتغافلوا عن الزلات والهفوات، وأظهروا الألفة والتآلف، واجتنبوا الفرقة وأسبابها، ودعوا الخصومات والنزاعات.

أيها المسلمون:

إن الأضحية من أعظم شعائر الإسلام، وهي النسك العام في جميع الأمصار، والنسك المقرون بالصلاة، وهي من ملة إبراهيم – عليه السلام -الذي أمرنا باتباع ملته.

وهي مشروعة بالسنة النبوية المستفيضة، وبالقول والفعل عنه ﷺ، فقد صح عن أنس – رضي الله عنه – أنه قال: (( ضَحَّى النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِكَبْشَيْنِ أَمْلَحَيْنِ أَقْرَنَيْنِ، ذَبَحَهُمَا بِيَدِهِ، وَسَمَّى وَكَبَّرَ )).

ولم يأت عنه ﷺ أنه ترك الأضحية قط، فلا ينبغي لموسر تركها.

وصح عن أبي أيوب – رضي الله عنه – أنه قال: (( كَانَ الرَّجُلُ يُضَحِّي بِالشَّاةِ عَنْهُ وَعَنْ أَهْلِ بَيْتِهِ، فَيَأْكُلُونَ وَيُطْعِمُونَ )).

والأنواع التي يُضحى بها من الحيوانات باتفاق أهل العلم ولا يجزأ عندهم غيرها، هي: الإبل والبقر والضأن والمعز ذكوراً وإناثاً.

والسن المجزأ من الإبل والبقر والمعز هو: الثني فما فوق، ومن الضأن: الجذع فما فوق.

والسنة في الأضحية أن تكون سليمة من العيوب.

ومن الأضاحي التي لا تجزأ عند جميع العلماء أو أكثرهم:

العمياء والعوراء البين عورها، والمريضة البين مرضها، ومقطوعة أو مكسورة الرجل أو اليد أو الظهر، والمشلولة والعرجاء البين عرجها، والهزيلة الشديدة الهزال، ومقطوعة الأذن كلها أو مقطوعة أكثرها أو التي خلقت بلا أذنين، والتي لا أسنان لها، والجرباء، والمقطوعة الإلية.

ومن العيوب التي لا تؤثر في صحة وإجزاء الأضحية:

الأضحية بما لا قرن له خلقة، أو مكسور القرن، والمخصي من ذكور الأضاحي، وما لا ذنَب له خلقة، والقطع اليسير أو الشق أو الكي في الأذن.

وقد اتفق العلماء على أن أول أيام ذبح الأضحية هو: اليوم العاشر من شهر ذي الحجة بعد صلاة العيد، وهو أفضل أوقات الذبح، لأنه الوقت الذي ذبح فيه النبي ﷺ أضحيته.

وآخر وقت ذبح الأضاحي هو: غروب شمس اليوم الثاني من أيام التشريق، فتكون أيام الذبح ثلاثة: يوم العيد ويومان بعده، يعني: اليوم العاشر، واليوم الحادي عشر، واليوم الثاني عشر إلى غروب شمسه، وبهذا قال أكثر أهل العلم من السلف الصالح فمن بعدهم، وثبت هذا القول عن عبد الله بن عمر وأنس بن مالك ـ رضي الله عنهما ـ من الصحابة.

وذهب أكثر أهل العلم إلى أنه يستحب أن يتصدق المضحي بالثلث من لحمها، ويهدي الثلث، ويأكل هو وأهله الثلث، لوروده عن بعض الصحابة – رضي الله عنهم -، وصح عن النبي ﷺ أنه قال في شأن لحوم الأضاحي: (( كُلُوا وَأَطْعِمُوا وَادَّخِرُوا )).

أيها المسلمون:

إنه يسن لكم في هذه الأيام الجليلة الفاضلة، أيام عيد الأضحى، وهي: يوم النحر وأيام التشريق: أن تكبروا الله – عز وجل – وتجهروا بهذا التكبير، فتقولوا:

الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر الله أكبر، ولله الحمد“.

تكبرون بعد السلام من كلا صلاة مفروضة إلى آخر صلاة من أيام التشريق وهي العصر ثم يُقطع، وكذلك تكبرون في أي ساعة من ليل أو نهار شئتم، تكبرون وأنتم في بيوتكم ومراكبكم وطرقاتكم وغيرها.

والتَّكبير في هذه الأيام قد جرى عليه العمل في أيـَّام السَّلف الصَّالح مِن أهل القرون المفضَّلة، وعلى رأسهم أصحاب النَّبيِّ ﷺ، حيث صح عنهم هذا التكبير، وأجمع على مشروعيته أهل العلم.

أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.

الخطبة الثانية:

الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر.

الحمد لله مُعيد الجمع والأعياد، ومبيد الأمم والأجناد، وجامع الناس ليوم لا ريب فيه، والصلاة والسلام على عبده ورسوله المفضل على جميع العباد، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الحشر والتناد.

أما بعد، أيها المسلمون:

لقد كان النبي ﷺ يعظ النساء في صلاة العيد بعد الرجال، واقتداء به، وعملاً بهديه، أقول مستعيناً بالله ربي:

أيتها النساء:

اتقين الله في أنفسكن، فاحفظن حدوده، واعملن بأوامره، واجتنبن ما نهى عنه وزجر، وقمن بحقوق أزواجكن وأولادكن من أبناء وبنات، فالصالحات قانتات حافظات للغيب بما حفظ الله، واحذرن أشد الحذر أن تنجرفن إلى ما تفعله بعض نساء المسلمين اليوم من الخروج إلى الأسواق والمستشفيات والمنتزهات والبحار والطرقات وأماكن العمل متبرجات متجملات متطيبات قد كشفن عن وجوههن وشعورهن ونحورهن وسيقانهن، ولبسن الألبسة الضيقة التي تجسد وتفصل وتحجم أعضاء أبدانهن، فإنهن والله لسن على هدى، ولا في خير يسرن، ولا بفضيلة يعملن، فقد صح عن النبي ﷺ أنه قال: (( صِنْفَانِ مِنْ أَهْلِ النَّارِ لَمْ أَرَهُمَا، قَوْمٌ مَعَهُمْ سِيَاطٌ كَأَذْنَابِ الْبَقَرِ يَضْرِبُونَ بِهَا النَّاسَ، وَنِسَاءٌ كَاسِيَاتٌ عَارِيَاتٌ مُمِيلَاتٌ مَائِلَاتٌ، رُءُوسُهُنَّ كَأَسْنِمَةِ الْبُخْتِ الْمَائِلَةِ، لَا يَدْخُلْنَ الْجَنَّةَ، وَلَا يَجِدْنَ رِيحَهَا، وَإِنَّ رِيحَهَا لَيُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ كَذَا وَكَذَا )).

أيتها النساء:

أكثرن من الصدقة، وزدن في الإنفاق في سبيل الله، وأكثرن من الإحسان إلى الفقراء والمحتاجين، واحذرن من كثرة اللعن، أحذرن أن تلعن الأبناء والبنات أو الإخوة والأخوات أو الأزواج والأقرباء أو الصاحبات والجيران أو أي أحد، وابتعدن عن مقابلة إحسان الأزواج لكن بالجحود والكفران وعدم الشكر، واحفظن الجميل، فإن النبي ﷺ قد صح عنه أن مرَّ على النساء في مصلى العيد فقال لهن: (( يَا مَعْشَرَ النِّسَاءِ تَصَدَّقْنَ فَإِنِّي أُرِيتُكُنَّ أَكْثَرَ أَهْلِ النَّار، فَقُلْنَ: وَبِمَ يَا رَسُولَ الله؟ قَالَ: تُكْثِرْنَ اللَّعْنَ، وَتَكْفُرْنَ العَشِيرَ )).

أيتها النساء:

اتقين الله في ألبستكن وشعوركن وكلامكن فلا تتشبهن في شيء من ذلك بالرجال ولا بالنساء الكافرات ولا بالنساء الفاجرات الماجنات الفاسدات حتى لا تُلحقن بهن، وتدخلن في لعنة رسول الله ﷺ، فقد ثبت عنه أنه قال محذراً وزاجراً: (( مَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ )).

وثبت عن ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ أنه قال: (( لَعَنَ رَسُولُ الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ المُتَشَبِّهَاتِ بِالرِّجَالِ مِنَ النِّسَاءِ، وَالمُتَشَبِّهِينَ بِالنِّسَاءِ مِنَ الرِّجَالِ )).

أيها المسلمون:

إن التهنئة بالعيد قد جرى عليها عمل السلف الصالح من أهل القرون المفضلة وعلى رأسهم الصحابة – رضي الله عنهم -.

وقد قال الإمام الآجري ـ رحمه الله ـ عن هذه التهنئة أنها: فعل الصحابة، وقول العلماء.اهـ

وثبت عن جبير بن نفير ـ رحمه الله ـ أنه قال: (( كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا الْتَقَوْا يَوْمَ الْعِيدِ يَقُولُ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: تَقَبَّلَ الله مِنَّا وَمِنْكَ )).

واعلموا أن السنة لمن خرج إلى مصلى العيد من طريق أن يرجع من طريق أخرى، فقد صح عن جابر ـ رضي الله عنه ـ أنه قال: (( كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا كَانَ يَوْمُ عِيدٍ خَالَفَ الطَّرِيقَ )).

هذا وأسأل الكريم أن يعيننا على الاستمرار على الإكثار من طاعته إلى ساعة الوفاة، وأن يقينا شر أنفسنا وشر أعدائنا وشر الشيطان، اللهم اغفر لنا ولوالدينا وأجدادنا وسائر الأهل والعيال، اللهم احقن دماءِ المسلمين في كل مكان، وجنبهم القتل والاقتتال، وأزل عنهم الخوف والجوعَ والدمار، وأعذهم من الفتن ما ظهر منها وما بطن، اللهم اجعل هذا الشهر أمناً وأماناً للمسلمين من الشرور والفتن والمهالك، اللهم وفق ولاة أمورِ المسلمين لكل ما يرضيك، واجعلهم عاملين بشريعتك، معظمين لها ومدافعين وناصرين، وأزل بهم الشرك والبدع والآثام والظلم والعدوان والبغي، اللهم ارزقنا توبة صادقة، وحسنات متزايدة، وقلوباً تخشع، وإقبالاً على الطاعة، وبعداً عن المعاصي، وتركاً لأماكنها وأهلها.

وصل اللهم وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد بن عبد الله الهاشمي القرشي الطيب المطيب الكريم الموقر.

خطبة ألقاها:

عبد القادر بن محمد بن عبد الرحمن الجنيد

وله رسالة بعنوان:

“تذكير الخلف بأن بدأ خطبة العيد بالتكبير هو المنقول عن السلف”.[من هنا]

وأخرى بعنوان:

إسعاد الصُّحبة بأن السلف الصالح على أن للعيد خطبتين لا خطبة”.[من هنا]

وهما موجدتان في شبكة الإنترنيت.