الأحكام الفقهية الخاصة بزكاة الفطر

الخطبة الأولى: ــــــــــــــــ

الحمد لله الجواد الكريم، الغني الحميد، الحكيم في أمره وشرعه، الذي فضل بعض الأوقات والأعمال على بعض، ليتكثر الموفق من عباده من الأجر، ويثقل ميزانه يوم الجزاء عليه والعرض.

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وأول سابق إلى الخيرات، وأصدق الناس قولاً، وأبرهم قصداً، وأزكاهم فعلاً، وأحسنهم عملاً، وأتقاهم لربه وأخشاهم، وعلى آله وأصحابه ذوي المناقب الجليلة، والخصال الحميدة، والحسنات الكثيرة، والدرجات الرفيعة، ومن تبعهم على الحق واستقام حتى يأتي أمر الله.

أما بعد، أيها المسلمون:

فها قد قطعتم الأكثر من شهر الصيام رمضان، ولم يتبق منه إلا أيام يسيرة، فمن كان محسناً فيما مضى فليحمد الله، وليزدد من البر والإحسان، ومن كان مسيئاً قد فرط وقصر، وتكاسل وتهاون، فليتق الله فيما بقي، وليتدارك نفسه فيها فيحسن إليها بالتوبة الصادقة النصوح، والإكثار من الطاعات والقربات، فباب التوبة لا يزال مفتوحاً، والله يحب التوابين، وهو أرحم بالعباد من أنفسهم وأهليهم ومن في الأرض جميعاً، ولا زال في زمن فاضل مبارك تضاعف فيه الحسنات، وتكفر فيه الخطيئات، وقد قال الله – عز وجل – مبشراً ومحفزاً للتائبين إليه: { فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ }.

وقال – جل وعلا -: { وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى}.

أيها المسلمون:

إنكم على مقربة من دخول وقت عبادة جليلة واجبة، ألا وهي زكاة الفطر، ودونكم – فقهكم الله في دينه وشرعة – جملة من المسائل المتعلقة بزكاة الفطر، عسى الله أن ينفع بها القائل والمستمع، إنه سميع مجيب.

المسألة الأولى:

تجب زكاة الفطر على المسلم الحي سواء كان ذكراً أو أنثى صغيراً أو كبيراً حراً أو عبداً، لما صح عن عبد الله بن عمر – رضي الله عنهما – أنه قال: (( فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ زَكَاةَ الفِطْرِ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ عَلَى العَبْدِ وَالحُرِّ، وَالذَّكَرِ وَالأُنْثَى، وَالصَّغِيرِ وَالكَبِيرِ مِنَ المُسْلِمِينَ، وَأَمَرَ بِهَا أَنْ تُؤَدَّى قَبْلَ خُرُوجِ النَّاسِ إِلَى الصَّلاَةِ )).

وإلى وجوبها ذهب عامة فقهاء الأمصار من السلف الصالح فمن بعدهم.

المسألة الثانية:

الجنين الذي لا زال في بطن أمه لا يجب إخراج زكاة الفطر عنه، وإنما يستحب باتفاق المذاهب الأربعة، نقله عنهم العلامة ابن مفلح – رحمه الله – وغيره.

وقد كان السلف الصالح – رحمهم الله – يخرجونها عنهم، فقد صح عن التابعي الجليل أبي قِلابة – رحمه الله – أنه قال: (( كَانَ يُعْجِبُهُمْ أَنْ يُعْطُوا زَكَاةَ الْفِطْرِ عَنِ الصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ حَتَّى عَلَى الْحَبَلِ فِي بَطْنِ أُمِّهِ )).

المسألة الثالثة:

المسلم الفقير له حالان:

الحال الأول: أن يكون معدماً لا شيء عنده، وهذا لا تجب عليه زكاة الفطر باتفاق أهل العلم، نقله عنهم الحافظ ابن المنذر – رحمه الله -.

الحال الثاني: أن يملك طعاماً يزيد على ما يكفيه ويكفي من تلزمه نفقته من الأهل والعيال ليلة العيد ويومه أو ما يقوم مقامه من نقود، وهذا تجب عليه زكاة الفطر عند أكثر أهل العلم – رحمهم الله -.

المسألة الرابعة:

زكاة الفطر عند أكثر الفقهاء تُخرَج من غالب قوت البلد الذي يُعمل فيه بالكيل بالصاع سواء كان تمراً أو شعيراً أو زبيباً أو بُراً أو ذرة أو دُخناً أو عدساً أو فولاً أو حمصاً أو كسكساً أو أرزاً أو غير ذلك.

ومقدار ما يُخرَج في هذه الزكاة صاع، والصاع كيل معروف في عهد النبي ﷺ وقبله وبعده، وهو بالوزن المعاصر ما بين الكيلوين وأربع مئة جرام إلى الثلاثة.

المسألة الخامسة:

يجوز أن تُخرَج زكاة الفطر قبل العيد بيوم أو يومين، لما صح عن التابعي الجليل نافع مولى ابن عمر – رحمه الله – أنه قال: (( وَكَانُوا يُعْطُونَ قَبْلَ الفِطْرِ بِيَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ )).

والأفضل باتفاق أهل العلم أن تُخرَج يوم الفطر بعد صلاة فجره وقبل صلاة العيد، لما صح عن ابن عمر – رضي الله عنهما – أنه قال: (( فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ زَكَاةَ الفِطْرِ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ،…، وَأَمَرَ بِهَا أَنْ تُؤَدَّى قَبْلَ خُرُوجِ النَّاسِ إِلَى الصَّلاَةِ )).

وذكر الإمام مالك بن أنس – رحمه الله – في كتابه “الموطأ”: (( أَنَّهُ رَأَى أَهْلَ الْعِلْمِ يَسْتَحِبُّونَ أَنْ يُخْرِجُوا زَكَاةَ الْفِطْرِ، إِذَا طَلَعَ الْفَجْرُ مِنْ يَوْمِ الْفِطْرِ، قَبْلَ أَنْ يَغْدُوا إِلَى الْمُصَلَّى )).

وليحذر المسلم من تأخيرها حتى تنتهي صلاة العيد، فقد ثبت عن ابن عباس – رضي الله عنهما – أنه قال: (( فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ زَكَاةَ الْفِطْرِ طُهْرَةً لِلصَّائِمِ مِنَ اللَّغْوِ وَالرَّفَثِ، وَطُعْمَةً لِلْمَسَاكِينِ، مَنْ أَدَّاهَا قَبْلَ الصَّلَاةِ فَهِيَ زَكَاةٌ مَقْبُولَةٌ، وَمَنْ أَدَّاهَا بَعْدَ الصَّلَاةِ فَهِيَ صَدَقَةٌ مِنَ الصَّدَقَاتِ )).

ومن أخرها عمداً حتى انقضى يوم العيد فقد أثم، وكان مرتكباً لمحرم باتفاق أهل العلم، نسبه إليهم ابن رشد الحفيد وابن رسلان – رحمهما الله -.

ومن أخرها نسياناً أو جهلاً أو بسبب عذر حتى انتهت صلاة العيد ويومه، كمن يكون في سفر وليس عنده ما يُخرِجه أو لم يجد من تُخرَج إليه، أو اعتمد على أهله أن يخرجوها واعتمدوا هم عليه، فإنه يُخرِجها متى تيسر له ذلك واستطاع، ولا إثم عليه.

المسألة السادسة:

لا يجوز أن تُخرَج زكاة الفطر من النقود، بل يجب أن تُخرج من الطعام، لأن النبي ﷺ فرضها طعاماً، فلا يجوز العدول عما فرض إلى غيره، والدراهم والدنانير قد كانت موجودة في عهده وعهد أصحابه من بعده، ومع ذلك لم يخرجوها إلا من الطعام، وخير الهدي هدي محمد ﷺ، وقد صح عن ابن عمر – رضي الله عنهما – أنه قال: (( فَرَضَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ زَكَاةَ الْفِطْرِ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ )).

وصح عن أبي سعيد الخدري – رضي الله عنه – أنه قال: (( كُنَّا نُخْرِجُ زَكَاةَ الْفِطْرِ صَاعًا مِنْ طَعَامٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ أَقِطٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ زَبِيبٍ )).

ومن أخرجها نقوداً بدل الطعام لم تجزئه عند أكثر الفقهاء – رحمهم الله -، منهم: مالك والشافعي وأحمد، ومن أخرجها طعاماً أجزأته عند جميع العلماء، وبرئة ذمته.

أقول قولي هذا وأستغفره لي ولكم، إنه غفور رحيم يحب العفو.

الخطبة الثانية: ــــــــــــــــ

الحمد لله القوي المتين، خالق الخلق أجمعين، والصلاة والسلام على عبده ورسوله محمد المبعوث رحمة للعالمين، وعلى آله وأصحابه وأتباعه إلى يوم الدين.

أما بعد، أيها المسلمون:

فلا زال الحديث معكم – سلمكم الله وسددكم – متواصلاً عن المسائل المتعلقة بزكاة الفطر، فأقول:

المسألة السابعة:

تصرف زكاة الفطر لفقراء المسلمين بالإجماع، نقله ابن رشد – رحمه الله -، ولا يجوز أن تعطى لغير المسلمين حتى ولو كانوا فقراء، وإلى هذا ذهب أكثر الفقهاء – رحمهم الله -، منهم: مالك والليث والشافعي وأحمد وأبو ثور.

ومما يدل على أن الفقراء والمساكين مصرف لها ما ثبت عن ابن عباس – رضي الله عنهما – أنه قال: (( فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ زَكَاةَ الْفِطْرِ طُهْرَةً لِلصَّائِمِ مِنَ اللَّغْوِ وَالرَّفَثِ، وَطُعْمَةً لِلْمَسَاكِينِ )).

المسألة الثامنة:

يُخرِج الرجل زكاة الفطر عن نفسه وعمن يمون من أهله وينفق عليهم من زوجة وأولاد وغيرهم تبعاً للنفقة، وقد صح عن أسماء بنت أبي بكر الصديق – رضي الله عنهما -: (( أَنَّهَا كَانَتْ تُخْرِجُ صَدَقَةَ الْفِطْرِ عَنْ كُلِّ مَنْ تَمُونُ مِنْ صَغِيرٍ أَوْ كَبِيرٍ )).

وصح عن ابن عمر – رضي الله عنهما -: (( أَنَّهُ كَانَ يُعْطِي صَدَقَةَ الْفِطْرِ عَنْ جَمِيعِ أَهْلِهِ صَغِيرِهِمْ وَكَبِيرِهِمْ، عَمَّنْ يَعُولُ )).

وإذا كان الرجل يعيش في بلد ومن يُنفِق عليهم يعيشون في بلد آخر، فالأفضل أن يُخرِج عن نفسه حيث يسكن، ويُخرِجون هم حيث يسكنون.

المسألة التاسعة:

قال العلامة صالح الفوزان – سلمه الله -:

فصدقة الفطر لها مكان تُخرَج فيه، وهو البلد الذي يوافي تمام الشهر والمسلم فيه، ولها أهل تُصرف فيهم، وهم مساكين ذلك البلد، ولها نوع تُخرَج منه، وهو الطعام، فلا بد من التقيد بهذه الاعتبارات الشرعية، وإلا فإنها لا تكون عبادة صحيحة، ولا مبرئة للذمة.

وقد اتفق الأئمة الأربعة على وجوب إخراج صدقة الفطر في البلد الذي فيه الصائم مادام فيه مستحقون لها، فالواجب التقيُّد بذلك، وعدم الالتفات إلى من ينادون بخلافه، لأن المسلم يحرص على براءة ذمته، والاحتياط لدينه.اهـ .

اللهم ارزقنا توبة نصوحاً، وأجراً متزايداً، وقلوباً تخشع لذكرك، وإقبالاً على الطاعة، وبعداً عن المعاصي وأماكنها وقنواتها ودعاتها.

اللهم ارفع الضر عن المتضررين من المسلمين، وارفع عنهم القتل والاقتتال، وارفع عنهم الخوف والجوع، وارفع عنهم الأمراض والأوبئة، وأعذنا وإياهم من الفتن ما ظهر منها وما بطن.

اللهم تقبل صيامنا وقيامنا وسائر طاعاتنا، واجعلنا ممن صام وقام رمضان إيماناً واحتساباً فغَفَرت له ما تقدم من ذنبه، وأعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك، إنك سميع الدعاء.

خطبة ألقاها:
عبد القادر بن محمد بن عبد الرحمن الجنيد.


المصدر: http://www.alakhdr.com/archives/573

تنبيه:
وقع خطأ في المسألة السابعة وتم تعديله.