المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : مناهج التأليف في القواعد الفقهية / مقال للشيخ الفقيه محمد علي فركوس -حفظه الله-



الطالب عبد الرحيم
03-07-2012, 05:01 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
[نشر هذا المقال في مجلة "الإصلاح" الجزائرية ، العدد الرابع عشر جمادى الأولى /جمادى الآخرة 1430 خ الموافق لـ: ماي / جوان 2009 م]


مناهج التأليف في القواعد الفقهية
سلك مؤلّفو هذا الفنّ طرقا مختلفة ، ومناهج متباينة في ترتيب القواعد الفقهية شكلا ، وفي تناول محتوياتها ومضامينها موضوعا .
فقد رتّب بعض مؤلّفي علم القواعد الفقهيّة مصنّفاتهم على الأبواب الفقهيّة والتزم آخرون الترتيب الهجائي ، وراعى فريق آخر في منهجه حجم المسائل ومقدار فروع القاعدة ، بينما اختارت جماعة منهم سلوك التّرقيم التّسلسلي كما سيأتي بيانه على الوجه التّالي:

منهج الفقهاء في ترتيب القواعد شكلا
لقد اعتمد بعض الفقهاء –من الناحية الشكليّة- ترتيب القواعد الفقهية حسب الأبواب الفقهيّة ابتداء من أبواب العبادات من: طهارة وصلاة وزكاة ... إلى آخر أبواب المعاملات.
وقد تجلّى منهج أبي عبد الله محمّد ابن إبراهيم البقّّوري المالكي (ت:707 ه) في مسايرة هذا الترتيب في مؤلفه (ترتيب فروق القرافي) مع تلخيص قواعده ومسائله ، وانتهجه -أيضا- أبو عبد الله المقرّي المالكي (ت:758 ه) في (قواعده) وبدر الدين البكري الشافعي (المتوفىّ في الربع الأوّل من القرن التاسع) في (الإعتناء في الفرق والإستثناء) ، وأبو عبد الله محمّد عظوم المالكي (المتوفىّ في القرن التاسع) مؤلّفه (المسند المذهّب في ضبط قواعد المذهب) ، والشّيخ محمّد حمزة الحسيني الحنفي (ت:1305) في كتابه (الفرائد البهيّة في القواعد الفقهيّة).
والتزم بدر الدّين الزّركشي الشافعي (ت:794) في (المنثور في القواعد) التّرتيب الهجائي على حروف المعجم ، وكان له السّبق في هذه الطريقة .. (1) وعلى وفق هذا الترتيب الألفبائي ذيّل أبو سعيد الخادمي الحنفي (ت:1176 ه) قواعده في (مجامع الحقائق) ، والشّيخ مصطفى الزرقا في (المدخل الفقهي العام) حيث أردف شرح قواعد المجلّة بذكر إحدى وثلاثين قاعدة أخرى مرتّبة على حروف المعجم بحسب أوائل كلماتها.
أمّا مؤلّفو ( الأشباه والنّظائر) : تاج الدّين عبد الوهاب السّبكي الشافعي (ت:771ه) ، وجلال الدّين السّيوطي الشّافعي (ت:911 ه) ، وزين الدّين ابن إبراهيم بن نجيم الحنفي (ت: 970 ه) فقد راعوا في منهجهم حجم المسائل ومقدار الفروع المندرجة تحت القاعدة من حيث العموم والشّمول ، آخذين في الإعتبار اتّفاق العلماء واختلافهم فيها ، فرتّبوا الموضوعات بحسب سعة استيعاب القاعدة للفروع الفقهيّة ومدى الاتّفاق والاختلاف عليها ما عدا ابن نجيم الحنفي ؛ فقد أسقط القواعد الفقهية الواردة بصيغة الخلاف من (أشباهه).
هذا ؛ واختار أبو الفرج عبد الرّحمن بن رجب الحنبلي (ت:795 ه) في (قواعده) ، وابن عبد الهادي المقدسي الحنبلي (ت:914 ه) في (مغني ذوي الأفهام) ، وأبو العبّاس أحمد بن يحيى الونشريسي المالكي (ت:914 ه) في (إيضاح المسالك) وعموم شرّاح (مجلّة الأحكام العدلية) ترقيما تسلسليّا في جمعهم للقواعد ولم يلتزموا ترتيبا معينا .

منهج الفقهاء في تناول محتويات القواعد موضوعا

ويمكن جمع مؤلّفات القواعد الفقهيّة وما تناولته من محتويات ومضامين –من النّاحية الموضوعية- بحسب الاتّجاه الغالب عند مؤلّفيها إلى ستّ زمر :

الزمرة الأولى :


وهي مؤلّفات تتضمّن غالب القواعد الفقهيّة بالمعنى الحقيقي المحدّد لكلمة قاعدة من حيث إنّها : (حكم أغلبيّ ينطبق على معظم جزئيّاته لتعرف أحكامها منه ) ، لا حظ فيها مؤلّفوها الفرق والدّقة بين القواعد والضّوابط من النّاحية الاصطلاحيّة وتمسّكوا بالفرق حال التّأليف ، ويأتي في الطّليعة ما ألّفه القاضي حسين بن محمّد المروزي الشّافعي ... (2) (ت: 462 ه) حيث ردّ جميع مذهب الشّافعي إلى قواعد محصورة في أربع وهي :
- اليقين لا يزال بالشّك .
- المشقة تجلب التّيسير .
- الضّرر يزال .
- العادة محكّمة ..... (3) ، وقد أضاف من جاء بعده قاعدة: (الأمور بمقاصدها) إلى القواعد الكلّية الكبرى .

ومن أشهر هذه الكتب وأكثرها انتشارا وعناية وتداولا كتابان:

الأول : (الأشباه والنظائر ) للسّيوطي الشّافعي (ت:911 ه) .
والثاني : لابن نجيم الحنفي (ت:970 ه) يحمل العنوان نفسه ، وقد سلك مؤلّفاهما نمط (الأشباه والنظائر) لتاج الدّين السّبكي (ت: 771 ه) ، ويؤكّده تصريح ابن نجيم بذلك حيث يقول : ( إنّ المشايح الكرام قد ألّفوا لنا ما بين مختصر ومطوّل من متون وشروح وفتاوى ، واجتهدوا في المذهب والفتوى ، إلاّ أنّي لم أر لهم كتابا يحكي كتاب تاج الدّين السّبكي الشّافعي مشتملا على فنون في الفقه ، فألهمت أن أضع كتابا على النّمط السابق ) ... (4) ، ولا يبعد أن يكون ابن السّبكي كالعلائي (ت:716 ه) في التّسمية والنّسج على منواله ، إذ سلك في المؤلّف منهجا معينا وأوضح ما يريده بالقواعد والضّوابط والمدارك الفقهيّة ، فبدأ مؤلّفه بالقواعد الخمس الكبرى ، وأعقبها بطائفة من القواعد العامة والقواعد الخاصّة من مختلف الأبواب الفقهيّة ، فالمسائل الأصولية وما يترتّب عليها من جزئيّات فقهيّة ، ثمّ أردفها بكلمات نحويّة وما يتخرّج عليها من مسائل فقهية ونحو ذلك ممّا أفصح عنه المصنّف في مقدّمة كتابه عن منهجه ومحتويات كتابه وخطّته .
هذا ، وكتاب (الأشباه والنظائر) للسّيوطي يشتمل على سبعة كتب بمعنى أبواب ، ذكر القواعد الخمس الكبرى في الكتاب الأوّل مؤصّلا لكلّ قاعدة مع الشّرح بالأمثلة ، وبيان ما يندرج تحتها من أبواب الفقه المختلفة وما يتفرّع على كلّ منها من قواعد فرعيّة .
وذكر في الكتاب الثاني قواعد كليّة يتخرّج عليها ما لا ينحصر من الصّور الجزئيّة ، وهي أربعون قاعدة دون القواعد الخمس الكبرى في عمومها وشمولها ، وذكر في الكتاب الثالث: عشرين قاعدة مختلفا فيها ، أمّا بقيّة الكتب فتدور على أحكام يكثر دورها ويقبح بالفقيه جهلها ، وفي نظائر الأبواب وما افترقت فيه الأبواب المتشابهة كالفرق بين الغسل والوضوء ، والحيض والنّفاس ، واللّمس والمسّ ، والأذان والإقامة ، والإجارة والجعالة ، ثمّ في نظائر شتّى نثر بين موضوعاتها قواعد مختلفة في مسائل أصولية وفقهيّة ، كمسألة النسخ ، هل هو رفع أو بيان ؟ وهل يجوز إحداث قول ثالث في المسألة؟ ... ومجموع الكتاب يتضمّن ثلاثين ومائة (130) قاعدة كليّة وفرعية .
أمّا كتاب ابن نجيم الحنفي (ت:970 ه) فقد استفاد من تاج الدين السّبكي (ت:771 ه) عن طريق الإمام السيوطي (ت: 911 ه) على ما صرّح به في عدّة أماكن من كتابه ... (5) ، ولذلك يسير في أغلب الأحيان على غرار (الأشباه) للسيوطي ، فقد رتّبه على سبعة فنون تناول في الفنّ الأوّل نوعين من القواعد .
تمثّل النوع الأوّل : في القواعد الكبرى ، وزاد قاعدة سادسة على (أشباه) السّيوطي ، وهي قاعدة: ( لا ثواب إلاّ بنيّة ) ... (6) ، ثمّ قام ببيان مع كلّ قاعدة ما يندرج تحتها من قواعد فرعيّة ، وما يدخل في كلّ قاعدة من الأبواب الفقهيّة مع إيراد الأمثلة والنّظائر .
أمّا النوع الثاني : فخصّصه المصنّف في قواعد كليّة يتخرّج عليها ما لا ينحصر من الصّور الجزئية الّتي لا تخرج عمّا أورده الإمام السيوطي .
وفي الفنّ الثاني تناول الفوائد في ستة وثلاثين كتابا من كتاب الطهارة إلى غاية كتاب الفرائض ... (7) ، تخلّلتها الضّوابط الفقهيّة المذهبيّة بصورة جليّة واضحة .
أمّا الفن الثالث : فجعله في الجمع والفرق من (الأشباه والنظائر) .... (8) ، وجعل الفنّ الرابع في الألغاز في ثلاثة وثلاثين كتابا من كتاب الطهارة إلى الفرائض ... (9) على شكل أسئلة فقهية واردة للإعجاز والتّعمية على المسؤول مع إرداف أجوبتها .
والفنّ الخامس في الحيل ، والسادس في الفروق ، والسابع في الحكايات والمراسلات ، ويجدر التنبيه إلى أنّ الإمام ابن نجيم أسقط من (أشباهه) القواعد الخلافية ، أي: تلك الواردة بصيغة الخلاف ، في حين أثبت هذا القسم كلّ من السّبكي والّيوطي .
وقد حظي (الأشباه والنظائر) لابن نجيم الحنفي (ت:970 ه) باهتمام كبير من العلماء شرحا وترتيبا وحاشية وتعليقا بلغ أزيد من ثلاثين مؤلّفا .... (10) .
ويدخل ضمن هذه الزمرة كتب القواعد التّالية :
(مجامع الحقائق) لأبي سعيد الخادمي (ت:1176 ه) حيث ختم مؤلّفه الأصولي بنيف وخمسين ومائة (150) قاعدة فقهية بالمعنى المحدّد اصطلاحا لكلمة (قاعدة) في الجملة .
(مجلّة الأحكام العدلية) بشروحها المتضمّنة لتسع وتسعين قاعدة فقهية ذات صياغة شرعية فنيّة بالمعنى الاصطلاحي المحدّد لكلمة قاعدة ، غير أنّه حصل في بعض منها شيء من التّرادف أو التّداخل مع غيرها ، الأمر الذي استوجب تصنيفها إلى صنفين :
الصنف الأوّل : القواعد المستقلّة : وهي قواعد أساسية يعدّ كلّ منها أصلا مستقلاّ عن غيره ، غير متفرّع عن قاعدة أعمّ منه .
الصنف الثاني : القواعد غير المستقلّة : وهي قواعد متفرّعة عن تلك القواعد الأساسيّة ... (11) .
هذا ؛ وقواعد المجلّة مأخوذة – بشكل عام – من كتب ظاهر الرواية للمذهب الحنفي ، وعند تعدّد الأقوال عند الإمام أبي حنيفة والصّاحبين اختارت المجلّة الرأيّ الموافق لحاجات العصر ومتطلّباته وما تقتضيه المصلحة العامة .... (12) .
ونظرا لأهميّة مجلّة الأحكام العدليّة ؛ فقد تولى شرحها جماعة نذكر بعض مؤلّفاتهم فيما يلي :

1 – (مرآة مجلّة الأحكام العدلية ) للمفتي مسعود أفندي ؛ وهو شرح بالعربية على المتن التركي ، يتضمّن شرحا وجيزا لأحكام المجلّة مع بيان المآخذ والمستثنيات .
2 – (شرح مجلّة الأحكام العدلية ) لسليم رستم باز اللبناني (ت: 1357 ه) ، وهو شرح معرىّ عن الأدلّة الشرعيّة .
3 – ( مرآة المجلّة ) للسيّد يوسف آصاف المحامي (ت:1375 ه) .
4 – ( درر الأحكام شرح مجلّة الأحكام ) للسيّد علي حيدر أفندي ، تعريب : المحامي فهمي الحسيني .
5 – ( شرح المجلّة ) للشيخ سليم الأتاسي (ت: 1326 ه) ، وله استدراكات قيّمة على من سبقوه كسليم الباز وعلي حيدرأفندي .
6 – (شرح المجلّة ) للسيد منير قاضي ( ت:1389 ه) يقع في خمسة أجزاء مبوبة بحسب المواضيع لا بحسب المواد .
7 – ( شرح القواعد الفقهية ) للشيخ أحمد الزّرقا (ت: 1357) ، وهو شرح موجز لقواعد المجلّة ، قام بنشره ولده الأستاذ مصطفى الزرقا والتزم فيه المصنّف المذهب الحنفي في تخريجه وتمثيله .

(المدخل الفقهي العام ) للأستاذ مصطفى ابن أحمد الزّرقا (ت:1420 ه) ، الّذي أردف قواعد المجلّة التّسع والتّسعين بإحدى وثلاثين قاعدة ، جمعها في مناسباتها المختلفة كالكتب الفقهيّة ، وبعضها عبارات مأثورة عن بعض كبار أئمّة الفقهاء خليقة بالتقعيد ، وقد ذكرها سردا مرتّبة على حروف المعجم دون شرح إلاّ بعض التّعليقات اليسيرة أحيلنا مع الإحالة على مكان وجودها .... (13) .
(الوجيز في إيضاح قواعد الفقه الكليّة) للأستاذ محمّد صدقي بن أحمد البورنو الغزي ، الذي شرح فيه أكثر من مائة قاعدة شرحا موجزا ، ذاكرا أصل كلّ قاعدة ودليلها ومعناها اللغوي والاصطلاحي ، وما يندرج تحتها من قواعد فرعيّة ، وما يتفرّع عنها من بعض المسائل الفقهيّة ، مع بيان اختلاف المذاهب إن وجد ، ودليل كلّ مذهب ما أمكن ، وثمرته ، وبعض ما يستثنى من كلّ قاعدة ، وتوجيه الاستثناءات ومجال التّعارض والتّرجيح في ذلك .


الزمرة الثانية :


وتتمثّل في كتب تحمل اسم القواعد ، غير أنّها في حقيقة أمرها عبارة عن تقسيمات وضوابط أساسيّة فقهيّة ومذهبيّة أو مجموعة فوائد فرعيّة لم تظهر في صياغة القواعد بالمعنى السّالف البيان إلاّ في مواضع تجمع فروعا من أبواب شتىّ ، منها على سبيل المثال :

(تقرير القواعد وتحرير الفوائد ) لأبي الفرج عبد الرّحمن بن رجب الحنبلي (ت: 795 ه) المشتهر ب(القواعد) لابن رجب ؛ فقد احتوى كتابه على ستين و مائة (160) قاعدة ، ثمّ ألحق بها إحدى وعشرين (21) فائدة ، ويظهر منهجه في تقرير القاعدة بوضع موضوع فقهي تحتها ، ثمّ يتعرّض له بإسهاب في الشرح ، ويذكر جملة من الفروع والأمثلة الفقهية التي يراها تندرج تحتها ، ولا تتعدّى كلّ قواعده إلى مختلف المذاهب ، بل هي خاصة بالمذهب الحنبلي ؛ لأنّ غرضه من ذلك هو ضبط أصول المذهب على ما صرّح به المصنّف في مقدّمة كتابه حيث يقول : ( فهذه قواعد مهمّة ، وفوائد جمّة ، تضبط للفقيه أصول المذهب ، وتطلعه من مآخذ الفقه على ما كان عنه قد تغيب ، وتنظّم له منثور المسائل في سلك واحد ، وتقيّد له الشوارد ، وتقرّب عليه كلّ متباعد ) .... (14) .
وقد أدخل ابن رجب في قواعده موضوعات فقهيّة دمجها مع القواعد ؛ كأحكام القبض في العقود ، وأنواع الملك ، وأقسام الأيدي المستولية على مال الغير .... (15) .
( إيضاح المسالك إلى قواعد الإمام مالك ) لأبي العباس أحمد بن يحيى الونشريسي المالكي (ت : 914 ه) فقد اشتمل كتابه على ثمانية عشرة ومائة (118) قاعدة ، غالبها في الواقع ضوابط فقهيّة تخدم المذهب المالكي ، صيغت صياغة دقيقة ، كلّها من قواعد الخلاف مصوغة بطريق الاستفهام ، مثل ( الموجود حكما هل هو كالموجود حقيقة ) ... (16) ، ( الشفعة هل هي بيع أو استحقاق ) ... (17) .

(الكلّيات في الفقه ) لمحمّد بن عبد الله الشهير بالمكناسي المالكي (ت: 758 ه) الّذي جمع الضوابط الفقهيّة فيه واقتص أثر أبي عبد الله المقّري (ت: 758 ه) حيث إنّ له كتابا يحمل العنوان نفسه ... (18) .

(الفوائد الزينيّة في فقه الحنفيّة ) للإمام زين الدين بن إبراهيم بن نجيم الحنفي (ت:970 ه) اشتمل الكتاب على خمسمائة ضابط بصورة مستقلّة ، وإن تخلّلها تارة قواعد فقهية بالمعنى الإصطلاحي ... (19) .
(الفرائد البهيّة في القواعد والفوائد الفقهية ) للشّيخ محمود حمزة مفتي دمشق (ت: 1305 ه )والكتاب خليط من القواعد والضّوابط الفقهيّة يغلب عليه عدد وافر من الفروع الفقهيّة ، مستقلّة مدرجة تحت عنوان (فائدة) ، بل يلاحظ في بعض المواضع خلوّها من ذكر أية قاعدة ،
كما هو واضح في باب (مسائل الإجارة ) و (مسائل اللقطة ) ، وقد أومأ المصنّف إلى هذا المعنى بقوله : (.. فوجب تقريب الطريق للوصول إلى أجوبة النّوازل برعاية الضّوابط والقواعد ، وتسهيل المسالك على السّالك ، بتحرير الفوائد وحذف الزوائد ) ... (20) ، وعلى هذا النمط تناول معظم الأبواب الفقهيّة .

الزمرة الثالثة :


كتب ليست من القواعد الفقهيّة الخالصة ، وإنّما أدمجت مع القواعد الأصولية أو مع موضوعات فقهيّة أو عقائدية ، ويأتي في طليعتها المصنّفات الأصوليّة الّتي أدرجت معها جملة من القواعد الفقهيّة :

(تأسيس النّظر ) للقاضي أبي زيد الدّبوسي (ت:420 ه) ومعظم قواعده مذهبيّة ، ولم يصرّح بها أئمة المذاهب ، وإنّما صاغها الفقهاء بناء على فروع المذاهب ، وقد أورد فيه مبحث الاحتجاج بمذهب الصحابي ومبحث دلالة الخاص على العام ، وغيرها من المباحث الأصوليّة الّتي وقع فيها الاختلاف بين علماء الحنفيّة الأوائل ، ثمّ بينهم وبين مالك والشافعي .
(تخريج الفروع على الأصول) ... (21) لشهاب الدّين محمود بن أحمد الزّنجاني (ت: 656 ه) ، الّذي بيّن فيه علاقة الفروع الفقهيّة بأصولها وضوابطها من القواعد ، ويذكر القاعدة الأصولية والضّابط الفقهي ، ثمّ يأتي بالخلاف فيه ، ويفرّع المسائل على مذهبي الشّافعي وأبي حنيفة ، مع بيان الأصل الذي تردّ إليه كلّ مسألة خلافيّة فيهما ، وقد أومأ المصنّف إلى ذلك بقوله : ( فبدأت بالمسألة الأصوليّة التي تردّ إليها الفروع في كلّ قاعدة و ضمّنتها ذكر الحجّة الأصوليّة من الجانبين ، ثمّ رددت الفروع الناشئة منها إليها ، فتحرّر الكتاب مع صغر حجمه حاويا لقواعد الأصول ، جامعا لقوانين الفروع ) ... (22) .

(أنوار البروق في أنواء الفروق ) للإمام شهاب الدّين أحمد بن إدريس القرافي المالكي (ت: 684 ه) ، حيث أدخل في مؤلّفه مباحث فقهيّة وعقائديّة كما سيأتي ، فأورد مجموعة كثيرة من القواعد الأصوليّة كقاعدة (الواجب المخير) ... (23) ، وقاعدة (إقتضاء النّهي الفساد) ... (24) ، وقاعدة ( الشّرط والمانع ) ... (25) ، وغيرها من القواعد .

(التمهيد في تخريج الأصول على الفروع) لجمال الدّين عبد الرّحيم بن الحسن الإسنوي الشّافعي (ت:772 ه) وهو كتاب في علم أصول الفقه مشحون بالفروع الجزئيّة ، اقتصر المؤلّف فيه على بيان القواعد الأصوليّة عند الجمهور أو بالأحرى عند الشّافعيّة مع بعض الإشارات إلى المذهب الحنفي ، والمتتبّع لمعظم مسائله الفقهيّة يجدها مرتّبة على القاعدة الأصوليّة تدور جزئيّاتها على الطّلاق وألفاظه ، الأمر الّذي لم يجلّ فيه أثر الأصول بصورة واضحة على أبواب الفقه الواسع .... (26) هذا ، ومن بين القواعد الفقهيّة الّتي نثرها الإسنوي في هذا الكتاب ، قاعدة: (إعمال الكلام أولى من إهماله ) ... (27) ، وقاعدة : ( التأسيس خير من التوكيد ) ... (28) ، وقواعد أخرى .
أمّا المصنّفات الّتي أدخلت ضمنها موضوعات فقهيّة أو عقائديّة ؛ فمنها :
(القواعد النّورانية الفقهيّة ) لشيخ الإسلام تقيّ الدّين أبي العبّاس أحمد بن تيمية (ت:728 ه) حيث رتّب كتابه حسب الترتيب المعهود في الموضوعات الفقهيّة ، وذكر في كلّ موضوع منها القواعد والضّوابط الّتي تحكمها ، واختلاف مذاهب الفقهاء ، مع الاستدلال لكلّ مذهب وما يتفرّع عن ذلك من مسائل فقهية يفيض في ذكرها أحيانا ، كما يبيّن القواعد في العديد من المواطن بصورة غير مباشرة عند مناسبات مختلفة .
فالحاصل أن الطّابع العامّ للكتاب يظهر تعرّض المصنّف للمسائل الخلافيّة من عبادات ومعاملات بالبحث الموسع مقرونا بالأدلّة والمناقشة ، وإن تخلّله بعض القواعد الفقهيّة المهمّة إلا أنّه لا يتراءى فيه النّمط المألوف في تقرير القواعد ، فهو بالكتب الفقهيّة أشبه ، وقد احتوى الكتاب على طائفة من القواعد والضّوابط والشّروط الّتي لا يسمّى أكثرها قواعد ، وممّا أومأ إليه المصنّف ... (29) :
( إذا تعذّر جمع الواجبين قدّم أرجحهما ، وسقط الآخر بالوجه الشّرعي ) ... (30) .
(إنّ المشكوك في وجوبه لا يجب فعله ، ولا يستحبّ تركه ، بل يستحبّ فعله احتياطا ) ... (31) .
(كلّ ما كان حراما بدون الشّرط ، فالشّرط لا يبيحه ؛ كالربا ، والوطء في ملك الغير ، وكثبوت الولاء لغير المعتق ، وأمّا ما كان مباحا بدون الشرط ، فالشّرط يوجبه كالزّيادة في المهر والثّمن والرّهن ، وتأخير الاستيفاء ) ... (32) .
هذا ، وجدير بالملاحظة والتنبيه أنّ الكتاب وإن سمّى بعض القواعد والأصول ؛ فإنّما يعني بالأصول : العبادات الشرعيّة المعروفة كالصّلاة والزّكاة والصّيام والحجّ ، لكلّ واحد منها أصل ، أمّا القواعد فأطلقت على خمس وهي :
القاعدة الأولى : في صيغ العقود .
القاعدة الثانية : في المعاقد حلالها وحرامها .
و الثّالثة : في العقود والشروط فيها .
والرّابعة : في الشّرط المتقدّم على العقد .
والخامسة : في الأيمان والنذور .

(المنثور في القواعد ) للإمام بدر الدّين محمّد بن بهادر بن عبد الله الزّركشي الشّافعي (ت:794 ه) فقد جمع فيه المؤلّف القواعد والضّوابط الفقهيّة المقررة ، مع تحرير فروع المذهب الشّافعي ، كما أدخل فيه موضوعات فقهيّة هامّة تحت عنوان قاعدة ، وأبوابا فقهيّة مستقلّة مع البيان والتمحيص وذكر الضّوابط لها ، والتّنبيهات عليها كأحكام الفسخ وأحكام النيّة وجلسات الصّلاة وأحكام الدّين ... (33) .

الزمرة الرّابعة :


كتب لم تتضمّن قواعد فقهيّة بالمعنى الاصطلاحي للكلمة ، بل يهدف مؤلّفوها إلى الجمع بين قاعدتين متشابهتين ، مع بيان الفرق الواقع بينهما ؛ ليتمّ تفريع المسائل عليهما ، فمن أجلّ المصنّفات بهذا المعنى وأغزرها مادّة ما يأتي :
(أنوار البروق في أنواء الفروق) للإمام شهاب الدين القرافي (ت:684 ه) المشتهر ب(فروق القرافي) ، ضمّن مؤلّفه خمسمائة وثمانية وأربعين قاعدة ، مع إيضاح كلّ قاعدة بما يناسبها من الفروع ... (34) ، بعدما كانت مفرّقة في أبواب الفقه من كتابه (الذخيرة) وجمعها في مؤلّف مستقلّ ، وزاد في تلخيصها وبيانها والكشف عن أسرارها وحكمها ، وأضاف إليها قواعد ليست في (الذخيرة) ، وتمثّل منهجه في استنباط الفرق بين قاعدتين ليتمّ تحقيقهما ، حيث إنّ تحقيقهما بالسؤال عن الفرق بينهما أولى من تحقيقهما بغير ذلك ... (35) ، غير أنّ هذه القواعد تبقى في الغالب الأعم في معنى الأحكام الأساسية في كلّ موضوعين متشابهين ليتجلّى الفرق بينهما ، مثل قاعدة : (الإنشاء والخبر) وقاعدة : ( المعاني الفعليّة والحكميّة ) ، والفرق بين (المشقّة المسقطة للعبادة والّتي لا تسقطها ) ... (36) ، وغيرها ممّا لا يظهر فيه المعنى المحدّد في الاصطلاح ؛ لأنّ مفهوم (القاعدة) أوسع عنده ، فهو يطلقها على ضوابط وأحكام أساسيّة أيضا .
أمّا القواعد الفقهيّة بالمعنى الاصطلاحي ؛ فهي متناثرة في فصول مختلفة من الكتاب ، تظهر عند تعليل لعض الأحكام أو مناقشة توجيه الآراء الفقهيّة .
هذا ؛ وقد أدرج المؤلّف في كتابه كثيرا من القواعد الأصوليّة ، كما احتوى مؤلّفه على بعض المباحث الفقهيّة والعقائديّة دمجها تحت عنوان ؛ (القواعد) ، مبرزا الفرق بينهما ، كالفرق بين قاعدة: (خيار المجلس) وقاعدة: ( خيار الشرط ) ، والفرق بين قاعدة: ( الصّلح ) وغيره من العقود ، والفرق بين قاعدة ( الغيبة والنميمة ) ، وقاعدة : (الحسد والغبطة ) ، وقاعدة : ( الطّيرة والفأل ) .
( الإعتناء في الفرق والاستثناء ) لبدر الدّين بن محمّد بن أبي بكر البكري الشّافعي (المتوفّى في الرّبع الأوّل من القرن التاسع الهجري ) ، وقد ذكر المؤلّف في طليعة الكتاب سبب تصنيفه ومنهجه فيه حيث يقول : ( .. فشرعت في جمع هذا الكتاب مختصرا من كلام ذوي الألباب ، قليل حجمه ، كثير فوائده ، وقد أوضحته بحيث لا يشكل على منتهي و يعجم على مبتدي ، لكي يرغب فيه طالب ذكيّ يفهم ما لخّصته لطالبه ، وقد جعلته قواعد أصليّة ستّمائة ، جمعتها كليّة ، وأحرجت من كلّ قاعدة فوائد جليّة تعكس على أصلها بقدر فهمي لها ) ... (38) ، فكان يذكر القواعد مرتّبة على الأبواب الفقهيّة ، ويستثني من كلّ قاعدة مسائل بعددها ، ثمّ يذكر الفرق إن وجد .
والكتاب قيّم ، مليء بعلم منظّم ومنسّق ، حافل بالقواعد الفقهيّة التي يعدّ جلّها – عند الإمعان – ضوابط فقهيّة ، وإن لم يغب عن بعضها المعنى الجامع للقواعد الفقهيّة ، لأنّ غرض المصنّف من وراء تسمية الكتاب بهذا العنوان ؛ هو التنبيه إلى التحرير الدقيق للضّوابط الفقهيّة التي وضعها ، وإبراز الفروق التي تختلف بها الفروع وتتميّز بها المسائل وبيان المستثنيات الخارجة عن تلك الضّوابط .
هذا ؛ وتصبّ داخل هذه الزمرة مجموعة كتب الفروق الأخرى مرتّبة بحسب وفيات أصحابها منها :
(الفروق في فروع الشّافعيّة ) لأبي عبد الله محمّد بن علي بن حكيم التّرمذي الشّافعي (ت :255 ه) .
(الفروق) لأبي العبّاس أحمد بن عمر بن سريج الشّافعي (ت: 306 ه) .
(الفروق) لأبي الفضل محمّد بن صالح المعروف بالكرابيسي الحنفي (ت : 322 ه) .
(فروق مسائل مشتبهة في المذهب ) لأبي القاسم عبد الرّحمن بن علي الكناني ، المشهور بابن الكاتب (ت: 408 ه ) .
(الفروق في مسائل الفقه) للقاضي عبد الوهاب بن نصر المالكي (ت : 422 ه) .
(الفروق) لأبي محمّد بن يوسف ابن حيويه الجويني الشّافعي (ت :438 ه ) .
(الأجناس والفروق ) لأبي العبّاس أحمد ابن محمّد النّاطفي الطّبري الحنفي (ت:446 ه) .
(النّكت والفروق لمسائل المدوّنة) لأبي محمّد عبد الحقّ بن محمّد بن هارون الصّقلي المالكي (ت: 466 ه) .
(مطالع الدّقائق في تحرير الجوامع والفوارق ) لأبي محمّد عبد الرّحيم بن الحسن الإسنوي الشّافعي (ت: 772 ه) .
(الفروق) لأبي عبد الله محمّد بن يوسف العبدري المواق الغرناطي المالكي (897 ه) .
( عدة البروق في جمع ما في المذهب من الجموع والفروق ) لأبي العبّاس أحمد بن يحيى الونشريسي (ت : 914 ه) .

الزمرة الخامسة :

كتب ليست في القواعد الفقهيّة ، وإنّما أضيفت لعلم القواعد الفقهيّة تسمية ؛ إمّا لاحتوائها على قواعد قليلة منتشرة في ثنايا كتبهم لا تخرج عن القاعدة الأساسيّة ، وإمّا لكونها تحمل اسم القواعد أو القوانين ولا صلة لها بهذا الفنّ .
ومثال النّوع الأوّل كتاب :
(قواعد الأحكام في مصالح الأنام ) لعزّ الدّين بن عبد السلام السّلمي الشّافعي (ت : 660 ه ) ، وهو كتاب يشتمل على فصول فقهيّة تندرج تحتها أحكام مفصّلة ، استقلّ في موضوعه عن غيره من الفقهاء المؤلّفين في هذا الفنّ ، والكتاب لا نظير له في بابه ، قسمه إلى موضوعات فقهيّة وأخلاقيّة وعقديّة ، يربط كلّ فروعه برباط وثيق الصّلة بينها جميعا ، ومردّه إلى القاعدة الشرعيّة الأساسيّة : ( درء المفاسد وجلب المصالح ) ، أمّا القواعد الفقهيّة المتناثرة في مواضيع كثيرة من الكتاب ؛ فمرجعها إلى هذه القاعدة العامّة .
والجدير بالملاحظة أنّ المؤلّف لم يكن غرضه من وضع قواعده الفقهيّة : هو جمعها والتّنسيق بينها على النّمط الاصطلاحي المعهود ، وإنّما قصده من ذلك : هو ما أفصح عنه بقوله : ( الغرض بوضع هذا الكتاب بيان مصالح الطّاعات والمعاملات وسائر التّصرّفات لسعي العباد في تحصيلها وبيان مقاصد المخالفات لسعي العباد في درئها ، وبيان مصالح العبادات ليكون العباد على خبر منها ، وبيان ما يقدّم من بعض المصالح على بعض ، وما يؤخّر من بعض المفاسد على بعض ، وما يدخل تحت اكتساب العبيد مما لا قدرة لهم عليه ولا سبيل لهم إليه ) .... (39)، والمؤلّف وضع القواعد المصلحيّة في مباحث وفصول مختلفة وعالجها معالجة قويمة ، وكشف من خلالها على أسرار التشريع وحكمه لذلك فالكتاب حريّ أن يدرج ضمن مصنّفات مقاصد الشريعة الإسلاميّة لا مع كتب القواعد الفقهيّة .
(القوانين الفقهيّة في تلخيص مذهب المالكيّة ) ... (40)
للإمام أبي القاسم محمّد بن أحمد ابن جزي ... (41) الغرناطي المالكي ( ت: 741 ه) .
فإنّ عنوان الكتاب وتسميته بالقوانين ؛ يوحي بوجود علاقة وطيدة بعلم قواعد الفقد ، ولكنّه عند التحقيق لا صلة له البنّة في مضمونه بالقواعد الفقهيّة ، إذ لا يخرج عن كونه كتابا فقهيا يتضمّن تلحيصا لمذهب مالك ، والإشارة إلى مذهب أبي حنيفة والشافعي وأحمد – رحمهم الله تعالى .. (42) - ، كما يذكر المسائل والأقوال غير مقرونة بأدلّتها مبتدئا بمذهب مالك ثمّ يتبعه بالمذاهب الأخرى ، وافتتح كتابه بعشرة أبواب في العقائد وأعقبه بنفس التّقسيم العددي للأبواب في المسائل الفقهيّة وذيّله –أخيرا- بكتاب جامع في السيرة وتاريخ الخلفاء والأخلاق .

الزمرة السادسة :

يتمثّل منهج التأليف في هذا الجانب بتخصيص قاعدة معيّنة بالدّراسة والبحث من بين القواعد الكبرى أو من عموم القواعد العامّة الأخرى ، ونذكر منها :
( الأمنية في إدراك النيّة ) للقرافي أبي العبّاس أحمد بن إدريس (ت: 684 ه ) .
(الإخلاص والنيّة) لابن أبي الدّنيا أبي بكر عبد الله بن محمّد (ت: 281 ه) .
(نهاية الإحكام في بيان ما للنيّة من أحكام) لأحمد بن يوسف الشّافعي (ت: 1332 ه ) .
(الفعل الضّار والضّمان فيه) لمصطفى أحمد الزرقا .
(الضّرورة والحاجة وآثارهما في التشريع الإسلامي) للأستاذ عبد الوهاب إبراهيم أبي سليمان .
(التّحرير في قاعدة المشقّة تجلب التيسير) للأستاذ عامر سعيد اليباري .
(العرف والعادة في رأي الفقهاء ) للشيخ أحمد فهمي أبي سنّة .
(القاعدة الكليّة : إعمال الكلام أولى من إهماله ) للشّيخ محمّد مصطفى هرموش .
(قاعدة : اليقين لايزول بالشكّ) للدّكتور يعقوب عبد الوهّاب الباحسين .

ولا يخفى أنّ هذه الدراسات الخاصّة بقاعدة فقهيّة واحدة تعتمد أساسا على الكتب المؤلّفة في القواعد الكليّة الّتي تمدّها من غزارة المادة العلميّة والفقهيّة لتسهيل تناولها ضمن دراسات متخصّصة ودقيقة .
هذا ؛ وقد نبّه بعض الأئمة إلى اختلاف مناهج المؤلفين في ترتيب القواعد الفقهيّة موضوعا ومضمونا ، وعدم مراعاة المعنى الاصطلاحي المحدّد لكلمة (قاعدة كليّة) ، فضلا عن دمج القواعد الفقهيّة مع غيرها من القواعد الأصوليّة والموضوعات الفقهيّة ، ومباحث المآخذ والعلل الّتي يشترك فيها طلبا لجميع المشتركات في قدر مشترك ، وإدخال مثل ذلك في القواعد يعدّ خروجا عن التحقيق ، ووفق هذا المنظور المنهجي ، قال ابن السّبكي في مجموعة فصول : ( وراء هذه القواعد ضوابط يذكرها الفقهاء ، وليست عندنا من القواعد الكليّة ، بل من الضّوابط الجزئيّة الموضوعة لتدريب المبتدئين ، لا لحوض المنتهين ، ولتمرين الطّالبين ، لا لتحقيق الرّاسخين ، وهي مثل قولنا : العصبة كلّ ذكر ليس بينه وبين الميّت أنثى ، الولد يتبع أباه في النسب وأمّه في الرّق ، وأنحاء ذلك ، وعندي أنّ إدخالها في القواعد خروج عن التّحقيق ولو فتح الكاتب بابها لاستوعب الفقه وكرّره وردّده وجاء به على غير الغالب المعهود والتّرتيب المقصود ، ومن النّاس من يدخل في القواعد تقاسيم تقع في الفروع يذكرها أصحابنا ، فهي أقسام كثيرة ولا تعلّق لهذا بالقواعد رأسا ، ويقرب منها تعديد فرق النّكاح وأقسام البياعات ، ومنهم من يدخل المآخذ والعلل ، ومن يعقد فصلا لأحكام الأعمى ، وآخر لأحكام الأخرص ، وهذا أيضا ليس من القواعد في شيء ، ومنهم من يشتغل بتقرير كونه مذهب الصّحابي ، والاستحسان مثلا غير حجّة ، وهذا رجل عمد إلى باب من أبواب أصول الفقه فأحبّ النّظر فيه .
وأغراض الناس تختبف ، ولكلّ مقصد ، ولسنا ننكر على أحد مقصده ، وإنّما إدخال شيء في شيء لا يليق ، ويكبر حجم الكتب بما لا حاجة إليه ) ... (43) بتصرّف .

ـــــــــــــــــــــــ
الهامش :

(1) – ولعلّ فائدة اختيار الزّركشي لهذا الترتيب هي تجنّب التّكرار الّذي يحصل من جرّاء التّرتيب الفقهي لأنّ شأن القاعدة احتواؤها على عدّة فروع من أبواب شتى الأمر الّذي يوجب إعادتها مع كلّ باب له صلة بها والتّكرار غير مستحسن ولو اقتصر في ذكرها على باب واحد وأهملت بقيّة الأبواب لاعترى ذلك نقصا غير مرغوب فيه .
(2) – هو أبو علي الحسين بن محمّد بن أحمد المروزي فقيه خراسان المعروف بالقاضي صنّف في الفقه والأصول والخلاف واشتهر بتعليقاته في الفقه توفي سنة (462 ه) [انظر ترجمته في : (طبقات الشافعيّة ) لابن قاضي شهبة (1/244) (وفيات الأعيان) لابن خلكان (1/400) (شذرات الذهب) لابن العماد (3/310) ] .
(3) – (الأشباه والنظائر) لابن السبكي (1/12) (الأشباه والنظائر) للسيوطي (7).
(4) – (الأشباه والنظائر ) لابن نجيم (10) بتصرف .
(5) – انظر : الصفحات التالية : (10،163،164،173) .
(6) – انظر: (ص14) .
(7) – انظر من صفحة : (192،355) .
(8) – انظر صفحة : (360،365).
(9) – انظر صفحة : (466،476) .
(10) - انظر : (القواعد الفقهيّة) للنّدوي (139،434) .
(11) – (المدخل الفقهي للزرقا) (2/961) .
(12) – انظر : (فلسفة التشريع) للمحمصاني (95) .
(13) - (المدخل الفقهي) للزرقا (2/1082-1089) .
(14) – (قواعد ابن رجب) (3) .
(15) – المصدر السابق (71،195،206) .
(16) – (إيضاح السالك) للونشريسي (332) .
(17) – المرجع السابق (383) .
(18) – وكليّات المقّري تمثّل جزءا من الضّوابط الفقهيّة الموجودة ضمن كتابه الموسوم ب : (عمل من طبّ لمن حبّ ) ، توجد نسخة خطيّة منه بالخزانة العامة بالرّباط ، رقم (2687/م) .
(19) – راجع مقدّمة (الأشباه والنظائر) لابن نجيم : (10) وقد أضاف المصنّفإلى كتابه جملة من الضّوابط والاستثناءات ونقّحه ثمّ وضعه في الفنّ الثاني من أشباهه .
(20) – (الفرائد البهيّة) للحسيني (11) .
(21) – طبع بتحقيق الدّكتور محمّد أديب صالح مؤسسة الرسالة .
(22) – (التخريج) للزنجاني (35) .
(23) - (الفروق) للقرافي (2/8) .
(24) – المصدر نفسه (2/82) .
(25) – المصدر نفسه (1/110) .
(26) – انظر مقارنة (مفتاح للوصول) للشريف التلمساني بغيره من كتب تخريج الفروع على الأصول للزنجاني والإسنوي في مؤلفنا ضمن دراسة لشخصيّة أبي عبد الله الشّريف التلمساني (ص 206-207) .
(27) – (التمهيد) للإسنوي (151) .
(28) – المصدر السابق (161) .
(29) – (القواعد النورانية) لابن تيمية (182) .
(30) – المصدر السابق (89) .
(31) – المصدر السابق (93) .
(32) – المصدر السابق (199) .
(33) – (المنثور) للزركشي (3/41) وما بعدها (3/284) وما بعدها (2/10-158) .
(34) – (الفروق) للقرافي (1/4) .
(35) - المصدر السابق (1/3) .
(36) - المصدر السابق (1/23 – 131 – 199) .
(37) - المصدر السابق : (3/269،4/2،209،224،240) .
(38) – (الاعتناء) للبكري (1/33-34) .
(39) – (قواعد الأحكام ) لابن عبد السلام (9) .
(40) - وهو كتاب مطبوع قام بنشره عبد الرحمن حمدة اللّزام الشّريف ومحمّد الأمين الكتبي سنة (1344 ه – 1926 م) كما طبع مقتطف من مقدّمته بعنوان (القاموس والوجيز للقرآن العزيز) بالمطبعة الجديدة بفاس سنة (1348 ه/1929م ) .
(41) – هو أبو القاسم محمد بن أحمد بن محمد بن جزي الكلبي الغرناطي المالكي كان نابغا في فنون شتّى فقيها محدّثا أصوليا مقرئا ومفسّرا له عدّة مصنّفات منها : (أصول الستّة غير نافع) و ( النّور المبين في عقائد الدّين) و ( وسيلة المسلم في تهذيب صحيح مسلم) و(تقريب الوصول إلى علم الأصول) توفي سنة (741 ه-1340م) .
انظر ترجمته في (الإحاطة) لابن الخطيب (3/20) (الدّيباج المذهّب) لابن فرحون (295) (نفح الطّيب) لأبي العبّاس المقرّي (5/515) و(أزهار الريّاض) للمقرّي (3/135) (شجرة النور الزكيّة) لمخلوف (213) (الفكر السامي) للحجوي (2/3/240) .
(42) – (القوانين الفقهيّة) لابن جزي (10) .
(43) – انظر (الأشباه والنظائر) لابن السبكي (2/304،312) .